أبحث مؤخرًا في عدد من الدراسات البحثية التي تتناول تأثيرات الذكاء الاصطناعي المتقدم على السلوك الإنساني، ووجدت دراسة مثيرة للاهتمام صادرة عن جامعة (Carnegie Mellon University) وفضلت تحويلها على شكل مقالة وأشاركها معكم، لأن هذا النوع من المقالات ما زال نادرًا باللغة العربية رغم أهميته في فهم مستقبل الذكاء الاصطناعي وسلوكياته داخل المجتمعات.
الدراسة قام بها مجموعة من الباحثين بمعهد التفاعل الإنساني الآلي (HCII) بجامعة (Carnegie Mellon University) – رابط الورقة البحثية موضح بالأسفل – أظهرت أن الأنظمة المتقدمة من الذكاء الاصطناعي قد تصبح أكثر أنانية كلما زادت قدرتها على التفكير المنطقي.
في التجربة التي قاموا بها، اختبروا سلوك النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) مثل (ChatGPT) و (Claude) و (Gemini) وحاولوا معرفة إن كانت النماذج المنطقة والأكثر ذكاء متعاونة في البيئات الجماعية.
تم وضع تلك النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) في لعبة اسمها (Public Goods) يبدأ كل نموذج بـ (100) نقطة ويتم الطلب منه إما التبرع بكل النقاط لمجموعة مشتركة (من باب التعاون) أو يستطيع الاحتفاظ بها لنفسه.
النتيجة كانت غير متوقعة، لاحظوا:
– النماذج (الغير قادرة على الاستدلال) شاركت نقاطها أو مواردها بنسبة (96%).
– النماذج (المنطقية والأكثر ذكاء) شاركت فقط بنسبة (20%) من نقاطها أو مواردها !
لاحظت الفرق عزيزي القارئ !
هذا يعني أن النماذج المنطقية والأكثر ذكاء القادرة على التحليل والاستدلال أظهرت مستويات أقل من التعاون أو المشاركة مثل ما وضحت الدراسة أعلاه، أي أنها لا تقبل التعاون أو المشاركة بنسبة كبيرة، والأخطر من ذلك وأثناء الاختبار، لاحظوا أن السلوك الأناني (عدم المشاركة) للنماذج المنطقية ينتشر كعدوى، ويؤدي إلى تراجع أداء (المجموعات غير الأنانية) بنسبة (81%).
أعتقد هذه النتائج لابد وأن تطرح تساؤلات كثيرة وخطيرة حول مستقبل تفاعل الإنسان مع الذكاء الاصطناعي، خصوصا مع ازدياد اعتماد المؤسسات في الأعمال والتعليم وكذلك الحكومات على نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة، فازدياد ذكاء النماذج لا يعني بالضرورة أنها قادرة على بناء مجتمع أفضل.
لذلك لابد من أن تتغير طريقة التفكير في كيفيات تطوير الذكاء الاصطناعي فبدلًا من التركيز على القدرات المنطقية للذكاء الاصطناعي أو سرعة الاستنتاج، أصبح من المهم التركيز على تطوير ذكاء اصطناعي يتمتع بذكاء اجتماعي (Social Intelligence).
وأصبح من الضروري أيضا زيادة وعينا بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
التحدي القادم ليس في جعل الذكاء الاصطناعي يفكر أفضل، وإنما في أن يفهم (أثر قراراته على الآخرين).
رابط الورقة البحثية: اضغط هنا